محمد حسين هيكل
350
حياة محمد ( ص )
والتي تعتبر لذلك عارا وشنارا على الإنسانية ومظهرا من مظاهر وحشيتها وجبنها ؛ هذه الغازات تصلح في السلم لأغراض نافعة أعظم النفع ، منقذة للإنسانية من كثير من الأمراض المعدية وأهوالها . فمن هذه الغازات ما تنقى به المياه من المكروبات الضارّة كغاز الكلور ، ومنها ما يصلح في حياة السفن إذ يقتل بعضه الجرذان فيها ، ويدلّ بعضه على مواطن الغازات الآخرى التي تعرّض حياة الملّاحين للخطر . وقديما خيّل إلى الناس أن من الحشرات والطيور والحيوان ما لا فائدة البتة من وجوده ، ثم تبين لهم بعد البحث والدرس ما لهذه الحشرات والطيور والحيوان من فائدة للإنسان ، حتى لقد صدرت في ممالك مختلفة قوانين تحمي هذه الخلائق من القتل أو الصيد تقديرا لخيرها للإنسانية . والذين درسوا هذه الخلائق قد لاحظوا أنها أشدّ حرصا على مسالمة الحياة المحيطة بها في حدود الاحتفاظ بوجودها كي تقوم بقسطها من الخير الذي فطرت على القيام به ، وأنها لا تؤذي إلا دفاعا عن نفسها حين يهاجمها مهاجم أو يغريها مغر بالأذى . أعمال بني الإنسانية وأعمالنا نحن بني الإنسان ليست خيرا كذلك لذاتها ولا شرّا لذاتها ، بل للغاية التي توجّه إليها والأثر الذي يترتب عليها . أليس القتل إثما محرّما ! لكن اللّه مع ذلك إذ يحرّم القتل يقول : ( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ) . والقتل بالحق لا إثم فيه . ( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ ) . والجلّاد الذي يقتل مجرما حكم عليه بالقتل ، والرجل الذي يقتل نفسا دفاعا عن نفسه ، والجندي الذي يقتل دفاعا عن وطنه ، والمؤمن الذي يقتل حتى لا يفتنه أحد عن دينه ، هؤلاء جميعا لا يرتكبون إثما ولا معصية حين يقتلون . هم إنما يؤدّون للّه حقّا فرضه اللّه عليهم ولهم عنه جزاء المحسنين . وما يقال في القتل يقال كذلك في غيره من الأعمال المتداولة بين الخير والشر . فالعالم الذي يكتشف بعض المدمرات للدفاع عن وطنه أو لما تفيد هذه المدمرات العالم حين السلم ، وصانع الأسلحة وكل عامل وكل إنسان على الأرض ، إنما يعمل الخير أو يرتكب المعصية حسب الوجهة التي يولي وجهه شطرها والأثر الذي يترتب على عمله . باب التوبة هذه إرادة اللّه وهي سنّته في الكون ، ولمّا كان اللّه قد خلق الناس بعضهم فوق بعض درجات في الاستعداد لإدراك هذه السنّة ، فجعل منهم من يحصرون كل نشاطهم في البقعة التي ينشأون فيها وهي تثميرها والقيام عليها ، ووهب آخرين موهبة الصناعة ، وجعل لغير هؤلاء وأولئك من المواهب في الأعمال والفنون والعلوم ما لا يتيسّر لهم معه الاهتداء إلى هذه السنّة ، ولمّا كانت معرفتها أساسية للإنسان كي يهتدي في الحياة ، فقد وهب لأفراد موهبة النبوّة واصطفى آخرين لرسالاته ليبينوا لنا الخير والشر ، ووهب لآخرين مواهب العلم والمنطق ليكونوا ورثة الأنبياء فيهدونا إلى ما يجب علينا أن نعمله وما يجب علينا أن نتجنبه ، وركّب فينا قوى العقل والعاطفة لندرك ما يلقى إلينا من التعاليم ، فنروض أنفسنا برياضتها كي نحسن التوجه في الحياة إلى الخير وكي نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر . فإذا التبس الأمر مع ذلك على بعض الناس فارتكبوا المعصية فجزتهم الجماعة عن معصيتهم ، احتفاظا بكيانها أن تجني هذه المعصية عليه ، لم يكن ذلك سدّا بينهم وبين التوبة والأوبة إلى الحق . فمن ارتكب الخطيئة أو الإثم بجهالة ثم حاسب نفسه وغيّر ما بها وعاد إلى اللّه طائعا منيبا ، غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه وتاب عليه . ومن ثم كان للخاطئ والآثم أن يستفيد من عبر الأيام وأن يطهّر قلبه ، وأن يرجع إلى طريق الحق تائبا فيقبل اللّه منه ، إنه هو التوّاب الرحيم . هذا التصوير للحياة . يوفّق ما بين مذاهب فلسفية شتى يحسب أصحابها أن لا سبيل إلى التوفيق بينهما .